ثم قال الله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : قال ابن كثير: أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، روى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أنه قال: إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، وروى الثوري: عن ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان، ويؤيد هذا ما قاله الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} ، وروى البخاري قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. قال ابن عثيمين رحمه الله: و» إِلاَّ «: هنا حرف استثناء، والصواب أنه منقطع، بل يتعين، لأنه في حال التقاة لا نتخذهم أولياء، ولكن نوافقهم في الظاهر، ونخالفهم في الباطن. والمعنى: أن هؤلاء الكفار لهم سيطرة وقوة وقدرة نخشاهم، فنتقي منهم، أي: نتخذ وقاية من بطشهم وتنكيلهم بنا، لكن في الظاهر دون الباطن، ولا يجوز إلا في حال الخوف على النفس لضعف المسلمين وقوة الكفار. ولا بد أن تكون هذه الموالاة في الظاهر باللسان فقط، أما في الباطن فيجب أن نضمر لهم العداوة والبغضاء، وعدم الولاية. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} في هذا التفات من الغيبة إلى الحضور، ولولا الالتفات لقال:» إلا أن يتقوا منهم تقاة «. قال صاحب» فتح البيان «في قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : على صيغة الخطاب بطريق الالتفات أي إلا أن يخافوا منهم أمرًا يجب اتقاؤه وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وتقاة مصدر واقع موقع المفعول به، وهو ظاهر قول الزمخشري وزنه فُعلة ويجمع على تُقى كرطبة ورطب، وأصله وقيَّه لأنه من الوقاية، والتقوى والتقى واحد، والتقاة التقية، يقال: اتقى تقية وتقاة.