وقد ذكرت الآية بذل النفس في أعظم مظهر من مظاهر بذل النفس، ذلك هو إقامة الصلاة، الصلاة هى عماد الدين، وهى الفارق بين المؤمن وغير المؤمن، الصلاة هى مناجاة العبد لربه، الصلاة هى الناهية عن الفحشاء والمنكر، العاصمة من الهلع والجزع، وذكرت الآية بعد ذلك بذل المال في صورتين: صورة إيتاء المال مع حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وصورة إيتاء الزكاة، وبمقتضى هذا الوضع القرآنى يفهم أن الزكاة شئ، وأن إيتاء المال على حبه هؤلاء الأصناف شئ آخر لا يندرج في الزكاة، ولا تغنى عنه الزكاة.
فهؤلاء الأغنياء والقادرون الذين ينفقون الزكاة ولا يمدون يد المساعدة لسد حاجة المحتاجين، ودفع ضرورة المضطرين، والقيام بمصالح المسلمين- ليسوا على البر الذى يريده الله من عباده.
وهذا أصل عظيم في تنظيم الحياة الاجتماعية يباح به للحاكم أن يشرع ألوانًا من الضرائب العادلة وراء الزكاة إذا لم تف الزكاة بحاجة الأفراد والمجتمع.
البر في الخلق:
أما البر في الخلق فقد ذكرته الآية في مبدأين: مبدأ القيام بالواجب وقد عبرت عنه الآية بقولها: (والموفون بعهدهم إذا عاهدو) ومبدأ مقاومة الطوارئ والتغلب على عقبات الحياة، وقد عبرت عنه الآية بقولها: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس}
والعهد لفظ شامل يجمع ألوانًا من الارتباطات والالتزامات لا غنى للناس عنها، ولا استقامة للحياة بدونها، وهى على كثرتها ترجع إلى عهد بين العبد وربه، أو عهد بين الإنسان والإنسان، أو عهد بين الدولة والدولة.