ولقد بين النبي أن الجنة حفت بالمكاره، والمقصود التكاليف الشرعية؛ وفيها كف النفس عن شهواتها وكبح جماحها عن ما تريده من الآثام، ومتاع الدنيا الزائل القليل إرضاءً للرب الجليل، والشهوات منها ما أباحه الله تعالى لكنه ذكره في مقام النقص والعيب مفضلاً غيره عليه، كما في قوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ آل عمران ... ، ثم عقَّب ذلك بقوله جل ذكره قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ آل عمران ... ، فذكرت الشهوات المباحة ثم ذكر بعدها ما هو خير منها وأفضل لينوه أنها ليس الخير فيها وإنما في غيرها
ومن الشهوات ما هو محرم مقطوع بحرمته فيجب على العاقل أن يبتعد عنه كالزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الشهوات التي حفت بها النار، فهذه من شهوات النفس الأمارة بالسوء، ومنها الغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل والاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال، فذلك مما حرمه الله تعالى، فإذا ركن العبد إلى هذه الشهوات فقد عصى الرسول وأعرض عن دعوته وأبى الاستجابة له وحينئذ يحرم نفسه الجنة ويوردها النار، كما شبهه الرسول بالبعير الذي يشرد عن أهله