وبناءً على ما سبق يجب أن يُراعى في فقه التغيير أحوال البلاد والعباد، والقوة والضعف، وأن تُراعي سُنة التدرج مع الناس كي يقع منهم القبول، وقد تدَّرج الإسلام في فرض الفرائض؛ كالصلاة والصيام والجهاد، كما تدَّرج بهم في تحريم المحرمات كالخمر ونحوها، وعند تجدُّد ظروف مماثلة لظروف قيام المجتمع الأول، أو قريبة منها، نستطيع الأخذ بهذه السنة «سنة التدرج» ، وهو تدرج في «التنفيذ» ، وليس تدرجًا في «التشريع» ، فإن التشريع قد تَمَّ واكتمل بإكمال الدِّين، وإتمام النعمة، وانقطاع الوحي، وهذا هو المنهج الذي سلكه النبي لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية؛ فقد ظل ثلاثة عشر عامًا في مكة، كانت مهمته فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن الذي يستطيع فيما بعد أن يحمل عبء الدعوة وإنشاء الأُمة والدولة، وتكاليف الجهاد لنشرها في الآفاق
وبعد هجرة النبي وتكوين الدولة الإسلامية، تتابعت الأحكام بعد بناء الأساس، وأقبل الناس على الطاعة والتسليم بعد التربية والإعداد
ومن طريف ما يُذكر أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال لأبيه «ما لك لا تُنَفِذُ الأمورَ؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك فقال له عمر لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة» الموافقات، للشاطبي ... ،
ويقول الشاطبي رحمه الله معلقًا على ذلك ... «وهذا معنًى صحيح معتبرٌ في الاستقراء العادي، فكان ما كان أجرى بالمصلحة معتبرٌ في الاستقراء وأجرى على جهة التأنيس، وكان أكثرها على أسباب واقعة، فكانت أوقع في النفوس حين صارت تنزلُ بحسب الوقائع، وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزلُ حُكمًا حُكمًا، وجزئية جزئية، لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حُكمٌ إلاَّ والذي قبله صار عادة، واستأنست به نفس المكلف، فإذا نزل الثاني كانت النفسُ أقرب للانقياد» الموافقات