سادسًا إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه بدعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ولذلك رواه المصنفون في «دلائل النبوة» كالبيهقي وغيره، لهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ويؤيده أنه لو كان السر هو في دعاء الأعمى وحده دون دعائه لكان كل من دعا به من العميان مخلصًا إليه تعالى منيبًا إليه قد عوفي بل على الأقل لعوفي واحد منهم وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدًا، كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي وقدره وحقه كما يفهم عامة المتأخرين لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء والمرسلين وكل الأولياء والشهداء والصالحين وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة والإنس والجن أجمعين ولم نعلم ولا نظن أحد قد علم حصول مثل هذا خلال هذه القرون الطويلة بعد وفاته إلى اليوم إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد» ، إنما المراد به أتوسل إليك بدعاء نبيك أي على حذف المضاف وهذا أمر معروف في اللغة كقوله تعالى «وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا» أي أهل القرية وأصحاب العير ونحن والمخالفون متفقون على ذلك أي على تقدير مضاف محذوف وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير إني أتوجه إليك بجاه نبيك، ويا محمد إني توجهت بذاتك، أو مكانتك إلى ربي كما يزعمون، وإما يكون التقدير إني أتوجه إليك بدعاء نبيك، ويا محمد إني توجهت بدعائك إلى ربي كما هو قولنا ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل