قال الحافظ وفي الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به؛ وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها أما نفسه فهو أن يريد بقاءها دائمًا سالمة من الآفات، فهذا هو حقيقة المطلوب، وأما غير نفسه فإن الإنسان يحقق المحبة لمن يسدي إليه نفعًا ما من أي وجه من الوجوه حالاً أو مآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من الرسول الذي أخرجه من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما مباشرة وإما بالسبب علم أن رسول الله سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار هذا الأمر والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضوان الله عليهم من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم والله الموفق
وقال القرطبي رحمه الله كل من آمن بالنبي إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون؛ فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى؛ كمن كان مستغرقًا في الشهوات محجوبًا في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكره، لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان
بين المحبة والغلو