قَائِلٌ فَأَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى «فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» فَيُقَالُ لَهُمْ لا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ «بَرَاءَةٌ» فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ «بَرَاءَةٌ» نَسَخَتْ كُلَّ حُكْمٍ تَقَدَّمَ، وَأَبْطَلَتْ كُلَّ عَهْدٍ سَلَفَ بِقَوْلِه تَعَالَى «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» وَإِنَّمَا كَانَتْ آيَةُ النَّبْذِ عَلَى سَوَاءٍ أَيَّامَ كَانَتْ الْمُهَادَنَاتُ جَائِزَةً، وَأَمَّا بَعْدَ نُزُولِ «فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» فَلا يَحِلُّ تَرْكُ مُشْرِكٍ أَصْلا، إلا بِأَنْ يُقْتَلَ، أَوْ يُسْلِمَ، أَوْ يُنْبَذَ إلَيْهِ عَهْدُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَتْلِهِ حَيْثُ وُجِدَ، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبْنَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَيُقَرَّ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ يَكُونَ مُسْتَجِيرًا فَيُجَارَ حَتَّى يُقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، ثُمَّ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وَلا بُدَّ، إلَى أَنْ يُسْلِمَ، وَلا يُتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ رَسُولاً فَيُتْرَكَ مُدَّةَ أَدَاءِ رِسَالَتِهِ، وَأَخْذِ جَوَابِهِ، ثُمَّ يُرَدَّ إلَى بَلَدِهِ، وَمَا عَدَا هَؤُلاءِ فَالْقَتْلُ وَلا بُدَّ، أَوْ الإِسْلامُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَصِّ الْقُرْآنِ، وَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... المحلى لابن حزم