فهرس الكتاب

الصفحة 1590 من 18318

ذلك هو موضع النقلة من فتيا الإيلاء، إلى فتيا الطلاق {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ .... } ألا ترى كيف أدير الأسلوب من حكم الايلاء على وجه معين، يطل القارئ منه على أفق متلبد ينذر باحتمال الفراق، فلما جاء بعد الحديث عن أحكام الفراق لم يكن غريبًا، بل وجد مكانه مهيأ له من قبل، كأن خاتمة حكم الايلاء كانت بمثابة عروة مفتوحة، تستشرف إلى عروة أخرى تشتبك معها، فلما جاءت فتيا الطلاق في وقتها كانت هي تلك العروة المنتظرة. وما هو إلا أن التقيت العروتان حتى اعتنقتا، وكانت منها حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها. وهكذا أصبح الحديثان حديثًا واحدا.

ترى من علم محمدا صلى الله عليه وسلم لو كان القرآن من عنده- أنه سوف يستفتى يومًا في تلك التفاصيل الدقيقة لأحكام الطلاق؟ ومن علمه أنه سيجد لهذا السؤال جوابًا، وأن هذا الجواب سيوضع في نسق مع حكم الايلاء، وأنه ينبغي لاستقامة النسق كله أن يساق حكم الايلاء، الذي وقع الاستفتاء فيه الآن، وعلى وجه يجعل آخر شقيه هو أقربهما إلى حديث الطلاق الذي سوف يسأل عنه بعد حين، لكي ينضم الشكل إلى شكله متى جاء وقت بيانه؟ لقد كان القدر يسير إذا في ركاب هذه التنظيم، فأثار مادة حوادثه، وبعث حاجات النفوس إلى طلب بيانها، وهيهات أن يحوم علم البشر حول هذا الأفق الأعلى، فإنما ذلك شأن عالم الغيب والشهادة، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ... ولم يبق إلا أن تقول معي: آمنت أن الذي بيده تصريف الزمان، هو الذي بيده تنزيل القرآن ... {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .

وتمضى السورة في هذا النمط الجديد، مفصلة آثار الطلاق وتوابعه كلها: عدة، ورجعة، وخلعا، ورضاعا، واسترضاعا، وخطبة، وصداقا، ومتعة إلى تمام هذه الحلقة (237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت