هذا ما كان يجرى في محيط الخلافة، وما يدور في فلكها من أمراء، وولاة، ووزراء .. ثم امتد هذا إلى الحياة العامة للمسلمين، فوقع الخلاف بينهم، وكثر الجدل والمراء في مسائل الدين، وانتصب لذلك رجال اصطنعوا الكلام سلاحا دخلوا به في هذا الصراع، واستجلبوا لذلك ما كان عند الأمم الأخرى من منطق وفلسفة، ومزجوا ذلك كله بما كان عند تلك الأمم من مذاهب ومعتقدات، وكان من ذلك أن تفرق المسلمون فرقا يكفر بعضها بعضا، ويرمى بعضها بعضا بالزندقة والإلحاد والمروق من الدين، ممثلا هذا في فرق الخوارج، والمعتزلة، والشيعة، والمتصوفة .. وكل فرقة من هذه الفرق انشعبت على نفسها، فكانت عشرات من الفرق بين مغال، ومقتصد، وبين مقارب ومباعد .. وكلهم ينتمى إلى الإسلام، ويدعى فيه دعواه أنه على الحق، وأن من سواه على الباطل .. والإسلام يتمزق من ذلك الخلاف مزقا متناثرة، وكان من نتائج هذا أن ضعفت الأمة الإسلامية، فتلفتت مطامع الغرب إليها، وتحركت شهية لالتهامها، فكان الاستعمار، وكان البلاء الذي نزل بأوطان الإسلام منه ..
أردنا بهذا العرض الموجز لحياة الأمة الإسلامية مع الإسلام، وللأدوار التي مرت بها من قوة إلى ضعف ومن ضعف إلى هزال، ومن هزال إلى احتضار، ومن احتضار إلى صحوات أشبه بصحوات الموت ..
نقول: أردنا أن نتعرف على مواطن الداء فينا، وأن نلتمس أسباب تلك النكسات التي تلقى بنا في أحضان الضعف والهزال، كلما هبت علينا ريح العافية، وداعبنا الأمل في الخلاص مما رمانا الزمن به من مكاره ..