فمن يتحر خير العلم يعطه، ومن يتوق شر الجهل يوقه، فمن سعى للخير سعيه أعطاه له اللَّه، ومن اتقى الشر وقاه، ومن أراد الهدى هداه، ومن سعى للنجاة نجاه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ويل لمن يعلم ولا يعمل وويل ثم ويل لمن لا يعلم ولا يتعلم مرتين"ما أعظم حكمة هذا الحديث، لقد قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إثم الذي لا يعلم ولا يتعلم على الذي يعلم ولا يعمل؛ لأن الذي يسع ليتعلم وهو يستطيع، فأعرض عن الفهم وظل في جهله باختياره، قد تعمد الجهل الذي يدفعه إلى كل شر وكل ضر، فكان أعظم خطرا وأشد ضررا ممن علم واجبا ولم يعمله، لأن الأول عصى أمر يعلمه، أما الثانى فإنه عصى أوامر شتى لم يرد أن يعلمها فجهلها بعلمه، وعصاها بجهله، الأول استخف بطاعة أمره، أما الثانى فإنه استخف بكل أمر، الأول أصر على عصيان، والثانى أصر على الجهل الذي يدعو إلى كل عصيان.
وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:"لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم. فإن ظن أنه قد علم فقد جهل"أى طالما طلب الإنسان العلم وسعى له فإنه عالم لأنه يطلب المزيد ويعلم أن فوق كل ذى علم عليم، أما إذا اغتر بنفسه وظن أنه لا حاجة له إلى علم إذ علم كل شيء، فهو جاهل لأنه جهل أنه جاهل، وظن أنه لا يجهل شيئا وهو لا يعلم إلا القليل من الكثير، وما أجمل قول الشاعر:
كلما أدبنى دهرى ... أرانى نقص عقلى
وكلما ازددت علما زادنى علما بجهلى
وقال صلى الله عليه وسلم:"فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد سبعون درجة"لأن المؤمن العابد لا ينفع إلا نفسه، أما المؤمن العالم فإنه ينفع نفسه وغيره بعلمه، المؤمن العابد قد يزل ويضل، أم المؤمن العالم فإنه ثابت لا يتزعزع، قانع لا يطمع ولا يجشع، صابر لا يهلع ولا يجزع، إنه يفهم ما يعمل وما يقول، وينوى ما يعمل وما يقول، أما الآخر فربما يتعبد عبادة تقليد ويؤمن إيمان اتباع لا إيمان اقتناع، أو يؤمن إيمانا وراثيا لا إيمانا اختياريا.