ثم قال وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا قول، فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار فلا يحمل كلامه إلا على عُرْفِه، والمألوف في خطابه، وإن لم يكن هذا مفهومًا من أصل الوضع في اللغة معالم أصول الفقه للجيزاني
وليس معنى أن الأمر على التكرار أنه يكون على وجه يصعب الإتيان به، بمعنى أن المكلف مأمور بتكرار ما أُمر به على وجه لا يستحيل عقلاً ولا شرعًا، فأما التكرار المؤدي إلى منعه من الاشتغال بما تقوم به حياته، أو إلى الجمع بين الضدين فهو ممنوع عقلاً، وأما التكرار المؤدي إلى إسقاط أوامر الله الأخرى وترك امتثالها فهو ممتنع شرعًا
فهذان النوعان من التكرار غير داخلين في محل النزاع، إذ لا يقول أحد بوجوب تكرار الفعل المأمور به في جميع الأوقات، لأنه ممتنع عقلاً وشرعًا أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله د عياض السلمي
الرأي الثاني من قال لا يقتضي التكرار، بل هو للمرة فقط
وأما الزيادة على المرة فلا دليل عليها، ولفظ الأمر لم يتعرض لها، ولدلالة اللغة على ذلك، فلو قال السيد لعبده اشتر متاعًا، لم يلزمه ذلك إلا مرة واحدة معالم أصول الفقه للجيزاني
والقول بأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، هو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب، وابن قدامة
ووجه هذا القول ما يلي
أن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وإنما أوجبت المرة الواحدة ضرورة دخول الفعل في الوجود، إذ لا يمكن وجوده إلا بفعله مرة واحدة
قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم ونذر أن يصوم، برَّ بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه، فقال صمت، صدق بصيام يوم واحد