وهنا تبرز أهمية قرائن السياق بمختلف أنواعها كما سبق وبيَّناها في توجيه الأمر المطلق، وقلَّما نجد أمرًا في الشرع إلا وتحفُّه القرائن، التي من خلالها نستطيع أن نتبين إن كان الأمر للمرة الواحدة أو للتكرار
ففي حديث الحج الذي ذكرناه، عندما سأل الأقرع بن حابس النبي عن الحج، وهل هو في كل عام، فهم الأقرع وهو عربي ومن أهل اللسان، أن الأمر المطلق بالحج، يحتمل التكرار ويحتمل الواحدة فقط، فلو لم يكن الأمر المطلق يحتمل التكرار والمرة الواحدة لما حَسُن من الأقرع هذا السؤال
ونحن نرى ذلك في حق العباد، فيأتي الأمر المطلق، نحمله تارة على المرة الواحدة وأخرى على التكرار بقرائن السياق، فلو قال السيد لعبده ادخل الدار، هذا أمر مطلق يحتمل المرة والتكرار، لكن أحوال السيد مع عبده، وأعراف الناس، تقتضي دخول العبد الدار مرة واحدة، ولو ذمَّه سيده على ترك التكرار للامه العقلاء
بينما لو قال له احفظ دابتي، فلو حفظها مرة ثم أطلقها فإنه يذم، لأن القرائن تقتضي الحفظ الدائم وليس مجرد استجابة الأمر ثم يطلقها
تطبيقات حول مسألة الأمر، وهل هي للمرة أو التكرار
إذا تكرر لفظ الأمر، نحو صلِّ ثلاثًا صلِّ ثلاثًا فإن قلنا في الأمر الواحد يقتضي التكرار، فها هنا هو تأكيد قطعًا
وإن قلنا إن مطلقه للمرة الواحدة، ففي تكرره وجهان
أحدهما أنه تأكيد له فلا يقتضي من المرة الواحدة
يقول الصيرفي متى خوطبنا بإيجاب شيء وكُرِّر، لم يتكرر الفعل لتكرر الأمر، كقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ في مواضع كثيرة
الثاني أنه استئناف فيقتضي الأمر بتكرير الفعل، ونقل عن ابن برهان إنه قول الجمهور، وعن الباجي هو قول جماعة من شيوخنا، وهو ظاهر مذهب مالك، وإليه ذهب عامة أصحاب الشافعي
ونقل وجهًا ثالثًا وهو أنه لا يحمل على التأكيد والتكرار إلا بدليل البحر المحيط بتصرف