ثم نقل كلام القرطبي في المفهم قال قوله إن الله يمسك ... إلى آخر الحديث، هذا كله قول اليهودي، وهم يعتقدون التجسيم، وأن الله شخص ذو جوارح، كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة وضحك النبي إنما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظَّموه حق تعظيمه، فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة، وأما من زاد وتصديقًا له فليست بشيء فإنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبي لا يصدق المحال، وهذه الأوصاف في حق الله محال؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا، فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا؛ إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال
إلى أن قال فإن قيل قد صح حديث إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ... فالجواب أنه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه، مع القطع باستحالة ظاهره؛ لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه، ثم لو سلمنا أن النبي صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقًا له في المعنى، بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه، ونقطع بأن ظاهره غير مراد انتهى
ثم زكى ابن حجر كلام القرطبي الأخير بقوله وهذا الذي نحا إليه أخيرًا يعني تصديق الأخبار وتأويلها على غير ظاهرها أولى مما ابتدأ به؛ لما فيه من الطعن على ثقات الرواة ورد الأخبار الثابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي بالظن للزم منه تقرير النبي على الباطل، وسكوته عن الإنكار، وحاشا لله من ذلك، ثم أشار إلى كلام ابن خزيمة في الإنكار على من ادَّعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار