أما النهي المقيد الذي صحبته قرينة، فهو يُحمل على قرينته، فإن كانت القرينة تدل على التحريم يُحمل على التحريم باتفاق، كقوله تعالى وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً الإسراء ... ، فوصفه بأنه فاحشة، وأنه طريق بلغ غاية السوء، دليل على تحريمه
وإذا جاءت قرينة تدل على الكراهة يُحمَل عليها، مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال «لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما جميعًا أو لينعلهما جميعًا» البخاري
فالنهي عن المشي بنعل واحدة حُمِل على التنزيه والكراهة؛ لأنه إرشاد وتوجيه إلى الأفضل والأكمل، وللمحافظة على سلامة الشخص من السقوط، وقيل لأنه لم يعدل بين جوارحه، وهو من باب المثلة شرح البخاري لابن بطال ... ، وأصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله
ومثلَّوا لذلك أيضًا بحديث النبي الذي رواه أبو قتادة رضي الله عنه «لاَ يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ» متفق عليه
فقد قال الجمهور إن النهي هنا للكراهة؛ لأن الذكر بَضْعَة من الإنسان فتح الباري لابن حجر ... ، والحكمة من النهي تنزيه اليمين
فالرسول نهى عن مسّ الرجل ذكره بيمينه وهو يبول، فمفهومه أن مسه بشماله جائز لم يُنْهَ عنه، وإن مسه بيمينه في غير حال البول جائز؛ لأن الأصل في الحال أنها قيد في صاحب الحال
وقال بعض العلماء بل لا يجوز من باب أوْلى؛ لأنه إذا نهى عن مسِّه حال البول والإنسان قد يحتاج إليه، ففي غير حال البول من باب أوْلى
والآخرون قالوا لا نهي عن مس الذكر إلا في حال البول؛ لأنه لا يؤمن من تلوث اليد بالبول، فربما يحصل ارتجاع يسير، فينتشر البول ويصيب يدك، أو ربما تريد أن تمسكه وتزل يدك إلى محل مخرج البول فتتلوث بالبول، فالنهي عن حال البول يدل على أنه يجوز في غير حال البول