وكما قال سبحانه فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا مريم ... وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال «لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، ثم نظر إليها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق الله النار، قال يا جبريل فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، فنظر إليها فقال أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها» صحيح الجامع
فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، وقال يحيى بن معاذ الرازي جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام؛ فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات، وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء، والصبر على الأذى، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام، وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام، وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام، فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام، وتصفيها من ظلمة شهواتها؛ فتنجو من غوائل آفاتها
وقال بعض الحكماء من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حب شهواتها محصورًا في سجن هواها، مقهورًا مغلولاً زمامه في يدها تجره حيث شاءت، فتمنع قلبه من الفوائد