قال القرطبي في المفهم في شرح حديث «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» البخاري ... ، ومسلم ... ، وهو في أوائل كتاب العلم من صحيح مسلم هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطريق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها
ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح، بل نَهَوْا عن الخوض فيه؛ لعلمهم أنه بحث عن كيفية ما لا تُعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حدّ تقف عنده
ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان قد حُجِب عن كيفية نفسه، وعن كيفية إدراك ما يُدرِك به؛ فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود خالق لهذه المصنوعات، منزَّه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال
ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه، وسكتنا عما سواه، كما هو طريق السلف، وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الرد عن الخوض في طريق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس، والشافعي، فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالاً