فهرس الكتاب

الصفحة 1696 من 18318

أما أنها شر خلقيًا فقد تبين، وأما أنها شر اجتماعيًا فلأنها توسع الهوة بين الطبقات، إذ أنها تضمن تحويل الثروة تدريجيًا إلى ناحية واحدة، وهي ناحية رأس المال، مع ترك اليد العاملة تنحدر بالتوالى نحو الحضيض، وأما أنها شر اقتصاديًا فلأنها تحرم ميدان العمل من تلك الأيدي الناعمة المترفة، التي تنال رزقها من قعود وكسل، وأما أنها شر على صاحبها في الدنيا والآخرة فلأن اللَّه أوعد المرابين بتعكيس قصدهم، وبالحق والنقص من حيث يطلبون المزيد، كما أنه وعد البررة المحسنين بإخلاف ما أنفقوا، وإنماء ما نقصوا {يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} .

وقد يفهم بعض الناس من هذا الطابع البارز في التشريع الإسلامي، طابع القناعة والسماحة - أن الإسلام يكاد ينزع من النفوس قيمة المال، ويثنيها عن الاهتمام بأمره ... فهل هي دعوة إلى الزهد في القيم المادية إلى حد عدم العناية بكسبها وتثميرها، أو عدم المبالاة بصيانتها وحفظها؟

هيهات، هيهات، إن المال في نظر القرآن هو قوام الحياة (كما يشعر بذلك قوله سبحانه {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] ) ، وقد سماه خيرًا (كما جاء في قوله عز وجل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} [البقرة: 180] ) ، يأمرنا بأن نسعى في طلبه، ويحذرنا أن نعهد بتدبيره إلى السفهاء ... إن القرآن يدعو إلى كسب المال من حله، لإنفاقه في محله، وكيف ينفق المال في مصارفه من لم يلتمسه من موارده، ولم يصنه من متالفه؟ ..

من كان في شك من هذه الحقائق فليقرأ بعد ذلك آيتي الدين والرهان (282، 283) فهما تدفعان عن نفوسنا هذا التوهم، وتصوغان للمؤمنين دستورًا هو أدق الدساتير المدنية في حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل، تمهيدًا لإنفاقها في أحسن الوجوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت