فهرس الكتاب

الصفحة 1706 من 18318

ولما اشتد أذى المشركين على المسلمين أمرهم الرسول بالهجرة إلى المدينة سرًا خشية أن تلحق بهم قريش. ولما لم يبق منهم بمكة إلا نفر قليل خشيت قريش على نفسها من انتشار الإسلام بالمدينة، وإذ ذاك أجمعت أمرها على التخلص من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فاجتمعت في دار الندوة يتشاورون في الأمر، فقال قائل منهم: نخرجه من أرضنا كي نستريح منه. فرفض هذا الرأي بحجة أنه إذا أخرج: اجتمعت العرب حوله لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه. وقال آخر: نوثقه ونحبسه حتى يدركه الموت. فرفض هذا الرأي أيضًا بحجة أن أنصاره إذا سمعوا بذلك عملوا على تخليصه، وربما أدى ذلك إلى الحرب. ثم انبرى طاغيتهم بقوله: بل نقتله ونمنع قبيلته من الأخذ بثأره، وذلك بأن نختار من كل قبيلة شابًا جلدًا يجتمعون أمام داره، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ولكن اللَّه تعالى جعل كيدهم في تضليل، وعصم نبيه من كيد قريش ورد كيدهم إلى نحورهم، ومنع أذاهم عنه. فكان في الليلة التي تواعدوا على إنجاز جريمتهم فيها: أن أناب النبي على بن أبي طالب، فنام على سريره، وكان القوم قد أحاطوا ببيت رسول اللَّه ينتظرون الفتك به، ولكن النبي خرج من بيته بعد أن ألقى اللَّه النوم عليهم حتى لم يره أحد وهو يقرأ: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} .

وكان أبو بكر قد أعد راحلتين للسفر بهما، ولكن الرسول اختار أن يختفي هو وصاحبه في غار ثور جنوب مكة حتى ينقطع الطلب عنه، وجرى لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات في هجرته ما هو معروف ومفصل في كتب السنة والسيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت