إن الأزهر مؤسسة عريقة، ذات مكانة رفيعة، وخاصة في العالم العربي والإسلامي، بل وفي الدوائر العلمية والثقافية في العالم أجمع، ولا بد أن يترسخ في عقل الإدارة المصرية ووجدانها أن النهوض بالأزهر هو المدخل الطبيعي للنهوض بمصر؛ ليعيد الأزهر صورة الإسلام والمسلمين إلى ما يجب أن تكون عليه للعالم أجمع، فقد قامت الحضارة الغربية في العصور الوسطى على حضارة الإسلام والمسلمين بشهادة الأثبات من أبناء الغرب أنفسهم، ولقد ذكر لنا تاريخ الاستشراق أن بعض الباحثين من الغربيين ممن عُنوا بالثقافة العربية والإسلامية لم يجدوا أمامهم من مركز علمي يعينهم على مهمتهم سوى الأزهر الشريف
الأزهر وعالمية الإسلام
إن في تاريخ الأزهر العريق صفحةً منسيَّة ربما لا يعرفها كثيرون، بل إن بعض من يعرفونها يَغُضُّون عنها الطرف، أو يمرون بها سراعًا، ويشيحون عنها بوجوههم؛ كأنهم يتمنون محوها من ذاكرة التاريخ
فلقد أتى على الأزهر قرن من الزمان، أوصد فيه أبوابه في وجوه القاصدين، ومُنعت فيه خطبة الجمعة، وكان ذلك كما يروي المقريزي في الخطط إبان انتقال مصر من العهد الفاطمي إلى العهد الأيوبي، خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ ذلك الانتقال الذي لم يقتصر أثره على الحكم والسياسة فقط، بل كان اختلافًا في الرؤى والمنهج، وتباعدًا في العقيدة والمذهب، وكان لا بد لهذا الانتقال الجوهري أن يصحبه حدث شديد الوقع، وهل ثمة حدثٍ أشدُّ وَقْعًا من أن يوصد الأزهر أبوابه في وجوه قاصديه؟
ففي الفترة الأولى، فترة الحكم الفاطمي كان الأزهر مكبلاً بأثقال المذهب الشيعي الباطني بأسراره الغامضة، وعلومه المكتومة، ورموزه المستورة، وكان من المستحيل على مذهب كهذا المذهب أن يكون وعاءً لدعوة الإسلام العالمية الرحيبة، تلك الدعوة التي تسع آفاقها الناس جميعًا، وتنفذُ إلى قلوبهم وعقولهم في بساطة فطرية بريئة من الرمزية الموغلة في الاستتار والغموض