وقد بدا واضحًا أن الأزهر إذا ما أراد أن يكون عالمي الدعوة، فلا بد أن يزيح عن كاهله تلك الأثقال، وأن يتحول بدعوة الإسلام إلى التركيز على قيم الإسلام ومبادئه وفضائله، وليس على الإمامة والرجعة، وعلوم الأئمة المستورة، ورموزهم المكتومة
وكان لا بد إذن للأزهر أن ينبذ الرؤية الفاطمية إلى رؤية أخرى يتمكن فيها من إبراز الدعوة إلى عالمية الإسلام، ففي هذه الدعوة العالمية إلى الإسلام التعبير الأعمق عن جوهره، ثم التعبير الأصدق عن الشخصية المصرية المُشْرَبة بروح الإسلام وعقيدته السُّنيَّة، كما كان للأزهر أيضًا أن يُعدَّ نفسه مكانيًّا ومعرفيًّا وعلميًّا للدعوة إلى عالمية الإسلام، وأن يضطلع بهذا الدور العالمي، دون افتئات منه على أحد، ولا اغتصابٍ لمكانة أحد، ولا ادعاء لقداسة مصطنعة، أو ولاية مفتراة
الإعداد العلمي لدور الأزهر الشامخ
وسرعان ما أعد الأزهر نفسه مكانيًّا لهذا الدور العالمي المرموق، فأنشئت الأروقة تحيط بصحن الأزهر، وتلتئم حوله في إشارة موجبة إلى العالمية، وهي تحمل ولا تزال أسماء الأصقاع الإسلامية في مشرق العالم ومغربه، كما أعد الأزهر نفسه فكريًّا لهذا الدور العالمي الرفيع؛ وذلك بإدراكٍ متبصر للرحمة الإنسانية العامة التي تتمثل في قوله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم ... وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، تلك الرحمة التي غفل عنها غلاظ العقول والأفئدة، فأصبح الإسلام على أيديهم قرينًا للعدوانية، لصيقًا بالإرهاب، رديفًا للشكلية والجمود، والتصحر والتحجر، وأضحى على الأزهر أن يزيل عن الإسلام وأهله تلك الصورة الصدئة؛ حتى تبدو تلك الصورة كما أرادها البارئ الحكيم؛ رحمة ورأفة، وقيامًا بالقسط، وإحقاقًا للحق