قدَّم وصف هذه المحكمات وبيان حالها؛ ليتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه يرد المتشابهات إلى المحكمات؛ لأنها أمٌّ، وأمُّ الشيء مرجعه وأصله، كما قال تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ الرعد ... ، أي المرجع وهو اللوح المحفوظ الذي ترجع الكتابات كلها إليه، ومنه سُميت الفاتحة أم الكتاب؛ لأن مرجع القرآن إليها، فهذه المحكمات يجب أن تُرد إليها المتشابهات
قال الله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ينقسم الناس بالنسبة إلى هذه المتشابهات إلى قسمين
قسم يتبعون المتشابه، ويضعونه أمام الناس، ويعرضونه عليهم؛ فيقولون كيف كذا؟ كيف كذا؟
وقسم آخر يقولون آمنا به كل من عند ربنا، فإذا كان من عند ربنا فلا يمكن أن يتناقض، ولا يمكن أن يخالف بعضه بعضًا، بل هو متحد متفق، فيرد المتشابه منه إلى المحكم، ويكون جميعه محكمًا
قوله تعالى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ الزيغ بمعنى الميل، من قولهم زاغت الشمس إذا مالت عن كبد السماء أي وسط السماء
أي في قلوبهم ميل عن الحق، فهم لا يريدون الحق، وإنما يتتبعون المتشابه، فتجدهم والعياذ بالله يأخذون آيات القرآن التي فيها اشتباه حتى يضربوا بعضها ببعض وما أكثر هؤلاء، ليصدوا عن سبيل الله ويشككوا الناس في كلام الله عز وجل، وأما الذين ليس في قلوبهم زيغ وهم الراسخون في العلم الذين عندهم من العلم ما يتمكنون به أن يجمعوا بين الآيات المتشابهة، وأن يعرفوا معناها، فهؤلاء لا يكون عندهم هذا التشابه، بل يقولون آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، فلا يرون في القرآن شيئًا متعارضًا متناقضًا
وكل أهل البدع من الرافضة الشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم كلهم اتبعوا ما تشابه منه، لكن مستقل ومستكثر، فهؤلاء يتبعون ما تشابه لهذين الغرضين، أو لأحدهما