فهرس الكتاب

الصفحة 17263 من 18318

من الروايات السابقة نرى فساد العقد إذا جُعل لأحد الشريكين شيء معين، والحكمة هنا واضحة، وإن كان النص يتصل بالمزارعة والمساقاة، فكلام ابن القيم واضح كل الوضوح ومن قبله شيخه ابن تيمية، فلعل هذا النص كان أصلاً أخذ به في المزارعة، وقد أشار إلى هذه الروايات المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الرحمن تاج في بحث قدمه للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية، ثم قال ومن هذا كله يتبين أن اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة لا يجوز، وأن النبي قد نهى عنه؛ لما يترتب عليه من الظلم، وعدم العدل بين الشريكين صاحب الأرض والعامل فيها لجواز ألا تُخرِج الأرض غير ما اشترطه الأول لنفسه؛ فيضيع عمل العامل وجهده على حين ينتفع الشريك الآخر وحده، فأما كراء الأرض بالذهب أو الفضة أو بشيء غيرهما مضمون في الذمة، فلا شيء فيه

وهذا هو ما ثبت عن الرسول ورواه أئمة الحديث البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي، بألفاظ متحدة أو متقاربة، ولا يسع الفقهاء من مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلا أن يتبعوه ويقولوا به في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات، فإن اشتراط جزء معين من ربح ذلك وثمرته لأحد المتعاقدين، قد يؤدي إلى المعنى الذي من أجله ورد النهي، فيخل بالمقصود من العقد، وهو الاشتراك في النتائج والثمرات

وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة قد حظرته الشريعة، ونهى عنه الرسول؛ لما فيه من الظلم والغبن بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة، فلماذا يرد في وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم؟ وهم لم يقولوه إلا تطبيقًا للسنة الصحيحة، وعملاً بما تدل على نصوصها الصريحة وكيف يسوغ من مطَّلع على نصوص الشريعة ومواردها، أن يقول في اشتراط ربح محدد لرب المال في المضاربة إنه جائز، غير مخالف للكتاب والسنة، وإن كان فيه مخالفة لأقوال الفقهاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت