فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ونحن نعلم أن القائلين بسد باب الاجتهاد، إنما يعنون بذلك الاجتهاد في أمور الدين، لا فيما يتصل بشئون الحياة وسعى الناس فيها، وتقلبهم في ميادين العمل منها .. ونحن نعلم أن سد باب الاجتهاد الذي دعا إليه الداعون منذ قرون إنما كان مرادًا به ألا يفتي أحد في المسائل العارضة التي يستحدثها الناس، وألا يقول رأى الدين فيها، وأن يقف المسلمون عند ما انتهى إليه أصحاب المذاهب الأربعة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل (عند أهل السنة) ..
ومعنى هذا أنه إذا عرض للمسلمين أمر، أو جد حدث غير معهود لهم، ثم أرادوا أن يتبينوا موقف دينهم منه، من الحل والحرمة، أو من الإباحة والحظر، كان عليهم أن يرجعوا إلى ما قرره أصحاب المذاهب الأربعة في هذا الحدث العارض، فإن وجدوا الجواب عندهم أو عند أحدهم، أخذوا به، وإلا توقفوا فيه، وجمدوا عنده، وأخلوا أيديهم منه ..
ولقد ترتب على هذا أمور خطيرة منها:
أولًا: توقف الحركة العقلية عند المسلمين، إزاء كل جديد تلده الحياة، والحياة ولود، لا تتوقف عند الولادة أبدًا، فهي تلد كل يوم جديدًا لم تكن تعرفه الإنسانية من قبل .. وكان من هذا أن مضى الناس - من غير المسلمين - يواجهون كل جديد، ويتعاملون معه، ويستولدون منه جديدًا .. وهكذا سار الناس - من غير المسلمين - قدمًا مع الحياة، ووقف المسلمون حيث هم لا يبرحون مكانهم الذي كان عليه الآباء والأجداد منذ بضعة قرون! ..
وثانيًا: أن الحياة تدور في هذا العصر، في فلك السرعة المجنونة التي لم يعرفها الناس من قبل، حيث تلبس كل يوم ثوبًا جديدًا، ثم لا تلبث حتى تخلعه لتلبس غيره، قبل أن تغرب شمس اليوم الذي لبسته فيه .. لا لأن هذا الثوب قد بلى، أو بهت، وإنما هي الرغبة في التحول السريع من حال إلى حال، تبعًا لحركة الحياة المنطلقة انطلاق العاصفة ..