فهرس الكتاب

الصفحة 17379 من 18318

كل ذلك وغيره مما توسع العلماء في بيانه كان من أسرار عدم تدوين السنة في العهد النبوي، وبهذا نفهم سر النهي عن كتابتها في الحديث الوارد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري عندما قال عليه الصلاة والسلام «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» وهذا لا يعني أبداً أن السنة لم يكتب منها شيء في عهد الرسول، فقد وردت آثار صحيحة تدل على أنه قد وقع كتابة شيء من السنة في العصر النبوي، ولكن هذا التدوين والكتابة كان بصفة خاصة، ولم يكن عاماً بحيث تتداول هذه الكتب بين الناس، فقد أمر النبي أصحابه في فتح مكة أن يكتبوا لأبي شاة، وكتب كتباً إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام، كما ثبت أن بعض الصحابة كانت لهم صحف خاصة يدونون فيها بعض ما سمعوه من رسول الله كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يسميها بالصادقة، وكانت عند علي رضي الله عنه صحيفة فيها أحكام الدية وفكاك الأسير، كما ثبت أن النبي كتب لبعض أمرائه وعمَّاله كتبًا حددَّ لهم فيها الأنصبة ومقادير الزكاة والجزية والديات، إلى غير ذلك من القضايا المتعددة التي تدل على وقوع الكتابة في عهده عليه الصلاة والسلام

إذاً فقد توفي رسول الله ولم تدون السنة تدويناً كاملاً كما دون القرآن، وكان الناس لا يزالون بخير، ولا تزال ملكاتهم قوية وحوافظهم قادرة على حفظ السنن وأدائها أداءً أميناً، وقد تتابع الخلفاء على ذلك، فلم يعرف عنهم أنهم دونوا السنن أو أمروا الناس بذلك، حتى جاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فأمر بجمع الحديث لدواعٍ اقتضت ذلك، بعد حفظ الأمة لكتاب ربها، وأمنها عليه أن يشتبه بغيره من السنن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت