ولعل الخلاصة مما سبق أننا بصدد مؤسسة محل نشاطها وتعاملها النقود تحصلها أو تدفعها، والديون تلتزم بها أو تُلزم بها، والقروض تقترضها، وهذا هو محل نشاطها ومحوره، وتلك هي بضاعتها، ولا نظن نزاعًا في ذلك بين المفكرين اهـ
هذا هو ما انتهى إليه الدكتور الغزالي، ولم ينازعه أحد، وأنا أدرك أن الاقتصاديين يعرفون هذا تمامًا، غير أنني أقدمه لرجال الشريعة الذين يفتون في أعمال البنوك.
والوظيفة الثانية التي أشار إليها وهي خلق الديون أو الائتمان ربما تحتاج إلى شيء من البيان، فهذا أمر عجيب غريب يصعب تصوره، ولا يدركه إلا من عرف جيدًا أعمال البنوك.
أيمكن مثلاً أن نتصور أن شخصًا يقترض ألفًا، ومن الألف يقرض بضعة آلاف، ويبقى عنده رصيد؟
هذا ما تفعله البنوك الربوية تخلق النقود وتقرضها تُقرض ما ليس عندها، وما لا تملكه، وتأخذ ربًا
والأمر هنا دقيق، ولذلك أترك عرضه لرجال الاقتصاد المختصين الذين تحدث أحدهم عن المرحلة الحاسمة في تطور الفن المصرفي، وهي خلق النقود؛ فقال دخل الفن المصرفي في دور جديد عندما تواضع الناس على قبول التزامات البنوك بديلاً عن النقود في الوفاء بالديون، سواء أكان ذلك في صورة إيصالات الإيداع، أم في صورة أوامر الصرف التي كان يحررها المودعون لدائنيهم على البنوك، فقد فطنت البنوك في كلتا الحالتين إلى إمكان إحلال تعهداتها بالدفع محل النقود فيما تمد به عملاءها من قروض، بما يترتب على ذلك من زيادة طاقتها على الإقراض ومن ثَمَّ على جني الأرباح ولم يكن من العسير وقد تمتعت ديون البنوك بالقبول العام كأداة للوفاء بالالتزامات أن تقنع المصارف هؤلاء العملاء بملائمة اقتضاء مبالغ القروض في صورة ودائع جارية قابلة للسحب في الحال، أو في صورة سندات تتعهد المصارف بمقتضاها بالدفع لدى الطلب بنكنوت