ولقد جاءت حركة التنوير والنهضة والعلمانية بعد ذلك؛ فاستغنت عن الكنيسة وكل ما صدر عنها إلا هذه الفتوى، فهي لا تزال عندها مقدسة، وهي على وجهٍ جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الأساس فيه، ولا يزال المنافقون في الأقطار العربية يرفعون على دولهم راية الإسلام، ويدسون في دساتيرهم أن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، أو ما شاءوا من صيغ يصوغونها رئاء الناس، ثم يبيحون الربا، ويرددون فتوى الباب إنوسنت الرابع اهـ
وفتوى الباب إنوسنت الرابع التي أدخلها في الإسلام المجترئون على الفتيا تتنافى مع واقع ربا الجاهلية حيث كانت القروض الربوية تُستخدم في الاستثمار، فقد كان التجار الدوليون يتوسعون في تجارتهم عن طريق القِرَاض أي شركة المضاربة والقرض، ولذلك كان صاحب الملايين يمكن أن يقترض ممن لا يملك إلا العشرات، أو المئات، وقافلة أبي سفيان كان تمويلها من أهل مكة، والعباس الذي كان رباه أول ربا وضعه رسول الله كان يستثمر ماله عن طريق هذه القروض الربوية، وعن طريق القراض أيضًا
أفكان العباس يستغل حاجة المحتاج الفقير، وهو الذي كان يتحمل السقاية، ويطعم الحجيج، ويقري الضيف؟
والذين قالوا حيث لا استغلال فلا ربا يحرم لا يفقهون النصوص؛ فقوله تعالى وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ يبين أن أي زيادة على رأس المال مهما قلت أو كثرت تُعتبر من الربا المحرم، وهذا الحكم خاص بالمدين الموسر، وعليه ألا يظلم المقرض، وأن يعطيه رأس المال كاملاً، كما حرم على المقرِض ظلم هذا المدين الموسر