وقوله «فلا يرفث» أي الصائم، وفي الموطأ «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث» إلخ، والمراد بالرَّفَثِ هنا الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذكره مع النساء أو مطلقًا، ويطلق أيضًا على ما هو أعم من ذلك، وهو كل فعل وقول قبيح مُسْتَفحش، ولا شك أنه مطلوب التحرز من ذلك كله في كل حين ولاسيما للصائمين
وقوله «ولا يجهل» أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل كالصيام والسفه ونحو ذلك قال الحافظ ولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه «فلا يرفث ولا يجادل» فالمجادلة والمراء من أفعال أهل الجهل
قال القرطبي لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم
ولتأكيد صوم الجوارح عن ارتكاب ما يؤثر في الصوم جاء قوله ... «وإن امرؤ قاتله أو شاتمه» وفي رواية «فإن سابَّه أحد أو قاتله» وفي رواية إن شتمه إنسان فلا يكلمه وفي رواية «فإن سابَّه أحد أو ماراه» أي جادله، وفي رواية «فإن سابك أحد فقل إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس» ، وفي رواية «فإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم» وفي حديث عائشة عند النسائي «وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه»
واتفاق الروايات كلها على قوله «إني صائم» يدل على أنه لا يعامل من سبّه أو شتمه أو قاتله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله إني صائم، ذلك ليبين لمقابله أنه صائم، والصائم لا ينبغي له أن يعامل الجاهل بمثل معاملته، فضلاً عن أن يكون هو بادئًا بشيء من ذلك، أو يقول في نفسه إني صائم؛ فلا ينبغي لي مجاراة هذا السفيه أو الجاهل فيما يفعله، فيذكّر نفسه بذلك