أحدهما القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل؛ فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل؛ فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة، فأعان هؤلاء كما أعان هؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أن يكون الله سبحانه وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر
فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة لا استعانة معه، فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد
النوع الثاني من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم؛ فقل نصيبهم من إياك نستعين، ولم يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والاستعانة، وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف؛ فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير بحسب استعانتهم وتوكلهم ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه لأزاله
القسم الرابع وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه، وطلبها منه، وأنزلها به فقُضيت له، وأُسعف بها سواء كانت أموالاً أو رياسة أو جاهًا عند الخلق، ولكن لا عاقبة له؛ فإنها من جنس الملك الظاهر والأموال لا تستلزم الإسلام فضلاً عن الولاية والقرب من الله؛ فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر والفاجر والمؤمن والكافر