ولقد بدأ منهج المحدثين في «الجرح والتعديل» وتحقيق ثمرته مبكرًا جدًّا، فقد أخرج الإمام مسلم في «مقدمة الصحيح» باب «بيان أن الإسناد من الدين» ... حيث قال حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال «لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم؛ فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» اهـ
قلت هذا دليل على أن هذا العلم «علم مناهج المحدثين في الجرح والتعديل» نشأ في فترة متقدمة جدًّا مرتبطة بوقوع الفتنة بمقتل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، بعد أن تحولت الثورة عليه إلى فتنة مسلحة أحاطت به وهو يقرأ القرآن في المصحف، حتى سال الدم عليه، وذلك في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين هجرية، واشتدت الفتنة، وجاءت موقعة «الجمل» بين علي رضي الله عنه والجماعة المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وفي أول صفر سنة سبع وثلاثين هجرية اشتدت الفتنة ودارت الحرب في صفين، وظهرت فتنة الخوارج والشيعة، واشتدت الفتن وقُتل في الفتنة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في السابع عشر من رمضان سنة أربعون من الهجرة، ومن هنا نشأ علم الإسناد والبحث في الراوي والمروي وما يتعلق بذلك من جرح وتعديل وكيفية ضبط الرواية، وطرق تحملها، وأحكامها من القبول والرد
بهذا يتبين أن مناهج المحدثين في النقد بدأت مبكرة جدًّا، وشملت الراوي والمروي، بل قد تبين من استقراء مرويات الراوي من يركّب الأخبار المكذوبة على الأسانيد الصحيحة؛ فيأتي الحكم على من يفعل ذلك بأنه «ممَّن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج به»
رابعًا افتراء