* فإن قال القائل: إن المشركين كانوا يعبدون هذه الآلهة، ونحن لا نعبد الأنبياء والصالحين؟
* قلنا له: أن عبادتهم لها هو الالتجاء والدعاء والضراعة، لأنهم لم يكونوا يركعون لها ولا يسجدون، وهل كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا إلا أولياء وصالحين؟
يقول عبد اللَّه بن عباس وغيره: هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فعبدوهم.
* فإن قال قائل: إن الداعي الذي يلجأ إلى قبور الأولياء والصالحين، لا يريد بعمله إلا التقرب إلى اللَّه، والزلفى إليه، والشفاعة عنده، والتوسط بهؤلاء الذين هم أقرب إلى اللَّه وأحب.
* قلنا له: إن هذا هو عين ما أراده المشركون الأولون، بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، وقوله عز وجل: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18] ، وقد ختم اللَّه الآية الأولى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} ، وختم الآية الثانية بقوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
* فإن قال قائل: إن هذه الآيات وغيرها - مما استشهدت به في باب الشرك - وردت في المشركين عباد الأصنام، ولا يصلح إطلاقها على غيرهم من مسلمة هذا الزمان.
* قلنا له: إن الشرك صفات من اتصف بها كان مشركًا، وكذلك سائر الصفات المذمومة كالزنا، والفسق، والنفاق، والظلم، إذ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما يقول الأصوليون.
ثم .... إذا صح ما تقولون، كان معناه: أن كل حكم نزل على سبب مخصوص، في قصة مخصوصة، فهو لا يتعداها إلى غيرها، وهذا ظاهر البطلان، وفيه ما فيه من تعطيل لكثير من آيات القرآن المبين، وأحكام الدين، فإن آيات الحدود والجنايات والمواريث والديات نزلت في قضايا خاصة قد مضت ومضى أهلها الذين نزلت فيهم.