ولبيان زيف هذا التصور نقول من يضمن لك أن تصل إلى الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين؟ بل من يضمن لك البقاء إلى غد؟ بل من يضمن لك أن تقوم من مقامك؟ أما تعلم أن الموت يأتي بغتة؟ وأنه ينزل بالشباب كما ينزل بغيرهم؟
أما رأيت كثيرًا من أقرانك أخذهم الموت فأصبحوا من سكان القبور؟ هل تمكن هؤلاء من التوبة؟ وهل تمتعوا بالمهلة؟ وهل استفادوا في قبورهم من تضييع الأوقات في الملاهي والمنكرات؟ وهل وصلوا السن التي تريد أن تصل إليها ثم تتوب بعدها؟ فلماذا تؤمل البقاء في هذه الدار، وطريقك محفوف بالمكاره والأخطار؟ ولماذا التسويف والغفلة؟ وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ النور
قال ابن الجوزي يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًّا، ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت من الشباب، ولهذا يندر من يكبر وقد أنشدوا
يُعمر واحدٌ فيغُر قومًا
ويُنسى من يموتُ من الشباب
ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه، فإنه لولا طول الأمل؛ ما وقع إهمال أصلاً، وإنما تُقَدَّم المعاصي وتُؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات
تؤمل في الدنيا قليلاً ولا تدري
إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات بغير علة
وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
التغلب على الفراغ بتنظيم الوقت
حين كان الوعيُ ساميًا، والغاياتُ عالية، كانت المشاغلُ متراكمة، والأعمالُ متزايدة، لدى أسلافنا الأوائل فكمْ من المدائن فُتحت؟ وكم من الكتبِ والمؤلفات صُنفت؟ وكم من المخترعات والمبتكرات ابتُدعت؟ وكم من الإنجازات تحققت؟
هذا أبو هريرة رضي الله عنه لزم رسول الله على شبع بطنه، وربما صُرع بين الحجرة والمنبر من الجوع، لكن انظروا كم حقق للأمة من خيرٍ عظيمٍ ونفع عميم؟