أحمدُ بن حنبل رحمه الله طافتْ به همته الدنيا من أجل الحديث، فحفظ أكثر من ألفِ ألفِ حديث، أي مليون حديث، فترك لنا المسند، وترك العلم للعالم
والبخاري رحمه الله ألف كتاب الصحيح، وحفظ تواريخ الرواة وأكثر الشيوخ، وكان يطوف البلاد الإسلامية ذاهبًا وآيبًا، وليس همه إلا الحديث، فبلَّغه الله ما أراد
وألَّف ابنُ عقيلٍ الحنبلي في أوقات فراغه كتاب الفنون في سبعمائة مجلد وابن حجر يؤلف كتاب فتح الباري فيعجز كثير من العلماء عن مجرد قراءته
وقُسمت كتب ابن جرير الطبري على عدد أيام عمره؛ فصار لكل يوم كراسة من التأليف وابنُ الجوزي يؤلف أكثر من ألف مصنف ومن العلماء من وزع ليلهُ أثلاثًا ثلثًا لنومه، وثلثًا لتهجده، وثلثًا لمذاكرة العلم.
وحتى لا يقول قائل هؤلاء لم يدركوا ما نحن عليه الآن من زمن انفتحت فيه الشهوات، واتسعتْ فيه دائرة الملذات والملهيات، نقول هذا شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، ومن منا لا يعرف هذه الشخصية الفذة في تنظيم وقتها، وترتيب زمانها، فها هو قد وضع برنامجًا لنفسه، فهو يخصصُ ليلة في الشهر للخطباء وليلة للقضاة، وليلة لمشرفي تحفيظ القرآن الكريم، وليلة لطلبة العلم، وليلة لأهل الحسبة، ولقاءً أسبوعيًّا للعامة في منزله، ولقاءً شهريًّا في مسجده، وجانبٌ آخر، تنظيمه لدروسه، فلكل درس وقته المحدد لا يتجاوزه، وأصبح صوتُ الساعة مؤذنًا بانتهاء الدرس لدرس آخر وهكذا، وتخصيصه للإفتاء على الهاتف بعد الظهر، ومن منا لم يسمع صوت الشيخ وهو يوضح ذلك؟
ولا يعني هذا أنه نسي الجانب الإيماني لنفسه، فهو رحمه الله لا يسمحُ لأحد أن يستفتيه أو يحدثه بعد الصلاة حتى ينتهي من ورده وذكره، وقد خصص سيره إلى مسجده لمراجعة القرآن الكريم، ولا يأذنُ لأحدٍ بالحديث معه، بل أحيانًا يقفُ عند بوابةِ المسجد من أجل أن يُتم حزبه الذي خصصه رحمه الله رحمة واسعة