فكل مصر على باطل لا بد أن يكون السبب في إصراره واحدًا من ثلاثة: إما عناد وإباء ومكابرة، وإما استخفاف وإعراض، وإما مرض من الشكوك والريب والشبهات، ولهذا يستوى إنذار الداعي له، وتحذيره من سوء العاقبة، وعدم إنذاره وتحذيره، إذ أنه لن يعدل عن باطله، ولن يؤمن بالحق الذي يدعى إليه.
ومثل هؤلاء مثل ذى عينين سليمتين ينكر ضوء الشمس في قارعة النهار مكابرة وعنادًا، ومثل من يغمض عينه وينكر ضوء الشمس في رائعة النهار، ومثل من ينكر ضوء الشمس لمرض في عينيه.
وقد يقال: إذا كان اللَّه قد علم أزلا كفرهم باختيارهم السيء وأخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون، فما فائدة توجيه الدعوة إليهم وإنذارهم؟
والجواب: أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتحقيق عموم الرسالة، وليثاب الرسول على دعوتهم للإيمان وإن لم يستجيبوا.
هذا، والكفر نوعان: كفر إنكار لله قلبًا ولسانًا، ككفر فرعون وكفر إباء وامتناع، وهو أن يعرف اللَّه بقلبه ولا يقر بلسانه، أو يقر بلسانه ويكفر بحقوقه ويأباها، ككفر إبليس ومن على شاكلته من البشر، وكلا النوعين إلى الخلود في النار.
ومن سنة اللَّه في خلقه أن من أصر على الباطل عنادًا للحق، أو إعراضًا عنه ومعاداة له سد اللَّه في وجهه سبل الاهتداء، وطبع على عقله فلا يفقه، وعلى أذنه فلا يسمع، وعلى عينه فلا يبصر، وله عذاب عظيم في الدنيا والآخرة.