وبه أي السلطان الروحي يتسلط أولئك الذين اتخذوا الدين حرفة وباعوه بضاعة مزجاة في شكل عهود وحجب وتمائم على مريديهم وأتباعهم حتى يجعلوا أفئدتهم هواء (خاوية) إلا من الخضوع لهم والذل أمامهم أكثر من الذل بين يدي اللَّه والخوف منهم كيلا يعطبوهم أو يعيبوهم بالسوء.
وهم يصدونهم عن كتاب اللَّه حتى لا تتفتق أذهانهم ولا تفقه قلوبهم لا تنفتح أعينهم على الحقيقة الكبرى وهي أن الملك لله وحده يتصرف فيه كما يشاء ويفعل ما يشاء {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ألا تراهم يوهمون البسطاء والجهلاء بعدم قراءة القرآن بزعم أن من لحن فيه فقد كفر، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ) ). وليت الأمر كذلك وحسب، بل إنهم في الوقت الذي يمنعونهم من قراءة القرآن يأمرونهم بتلاوة الياقوتة والوظيفة وما لم ينزل اللَّه به سلطانًا، ثم هم بعد ذلك يذكرون كرامات الأوتاد والأنجاب والأبدال والأقطاب، وتصرفاتهم في الخلق والكون بما يفزع قلوب المريدين. ويصور الأشياخ من هؤلاء بصورة المتصرفين في الكون من دون الله، فتذل لهم النفوس وتخشع لهم القلوب.
وهاك ما يقوله إبراهيم الدسوقي عن نفسه: (أنا اللَّه قال لي يوم ولادتي هذا يوم الاثنين فعليك بالصوم يا إبراهيم) حاشا لله ومعا اللَّه أن يكلم الله إبراهيم الدسوقي تكليمًا، فإنه أخبرنا أنه تعالى كلم موسى تكليمًا فقط، وأنه لا يوحى إلا إلى الأنبياء.
وهذا أبو السعود يقول لأصحابه: إن الله أعطانا التصرف منذ خمسة عشر سنة، وتركناه تظرفًا.