ومن أنار اللَّه قلبه بنور التوحيد، حينما يشد الرحال إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل تحية وأزكى سلام: يبدأ بزيارة المسجد النبوي الشريف، فيصلي ركعتين، ثم يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي اللَّه عنهما، هذه هي الزيارة الشرعية، فكان شد الرحال متجهًا إلى الصلاة لله في مسجد رسول اللَّه. وكان من الوفاء أن أزور قبر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالسلام والصلاة عليه.
وقد ورد أن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: كان في سفر، ومر بالمدينة أو عاد إليها، فبدأ بالمسجد النبوي الشريف وصلى فيه ركعتين، ثم اتجه إلى البيت الشريف وقال: (السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت) . واكتفى بذلك.
فهل كان بن عمر أقل وفاء منا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أو أقل حبًا من الصوفية الذين يصنعون من الشركيات أمام قبر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ما يندي له الجبين؟
فموالد البدوي وغيره، ما أقيمت إلا لما يعتقده الناس وخاصة الصوفية أن للبدوي بركات وكرامات، يمكن أن يخلع عليهم منها شيئًا، وإلا فما تكلفوا عناء الأسفار وشد الرحال إلى طنطا حتى تمتلئ ساحتها بهم.
وهذا الاعتقاد هدم صريح للتوحيد الذي دعا إليه الإسلام، ومما يؤكد استحسان المؤلف لهذه الشركيات: أن الزوار يوفون نذورهم، ويذبحون ذبائحهم ويدعي أنهم يوزعونها في سبيل اللَّه.
وهذا تلبيس الحق بالباطل. فالنذر عبادة من حق اللَّه وحده. ولولا العقيدة التي يعتقدوها الناس في البدوي، ما كان نذرهم إلا لله، وما ذبحوا إلا لله دون تعلق بالبدوي، أو ارتباطٍ بطنطا التي تضم قبره. وكونهم يوزعون هذه اللحوم في المولد بالذات، يعتبر عملًا القصد منه التقرب إلى البدوي، لأن اللَّه تعالى لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصًا له وحده، في أي مكان وفي أي زمان.