فهرس الكتاب

الصفحة 2042 من 18318

رأينا جهل المنافقين في خداعهم لله وللمؤمنين، ومن أظهر آثار الجهل الغرور، ومن شر آثار الغرور أثران: أحدهما العمى عن إدراك الأمور على حقيقتها، لأن المغرور يرى خطأه صوابا، ويعتقد إفساده صلاحا، ويرى سوء عمله حسنا، وثانيهما: الاستهزاء بالمخالف والحط من شأنه. وقد ظهر هذان الأثران في المنافقين، فهم بسبب جهلهم وغرورهم زين لهم سوء عملهم، فإذا نصح ناصح (أي ناصح، ولهذا بنى القول للمجهول، فقيل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرضِ} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النَّاسُ} ) واحدًا منهم أو جماعة، وقال لهم: لا تفسدوا في الأرض بهذا النفاق والتلون، وبفتنة المؤمنين عن إيمانهم، وبإيهام غير المؤمنين أنكم معهم - قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ولم يقولوا: نحن مصلحون، بل قصروا أنفسهم على الإصلاح دون الإفساد، أي أن غرورهم أوهمهم أنهم بهذه الأعمال النفاقية مصلحون، وأنه لا يصدر منهم أي فساد، والفساد إنما يصدر من غيرهم، ولهذا رد اللَّه عليهم بقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} بهذه الجملة التي تؤكد المعنى، وتحصر الفساد فيهم دون غيرهم، لما جاء فيها من: (ألا) المنبهة و (أن) المؤكدة، وتعريف الخبر (المفسدون) وتوسيط ضمير الفصل (هم) ونفي الشعور والحس والإدراك عنهم لفساد عقولهم، فصاروا لا يميزون بين الخبيث والطيب، ولا يشعرون بالفروق بين الفاسد والصالح.

وإذا قيل لهم: آمنوا كما آمن الناس الذين صدقوا في إيمانهم واتبعوا القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - عن عقيدة قالوا: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء؟} استفهام إنكاري، أي: لا نكون مثل هؤلاء السفهاء، ولا نؤمن كما آمنوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت