فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 18318

ولكن لا هذا ولا ذاك، إنما هي جثة رب مزعوم وإله زائف ألقت بها الأمواج إلى الرعية العابدة لتعلم المصير الذي انتهى إليه وليكون عبرة لكل الأجيال القادمة، ولكن مات فرعون .. والفرعونية لم تمت، ولهذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندما قتل أبو جهل في غزوة بدر: (( مات فرعون هذه الأمة ) )، لكي يعلم الناس أن لكل أمة فرعونًا .. ولا يطل الفراعنة برؤوسهم إلا وسط أمم لها عقول خفيفة يسهل حملها وتحريكها، ولهذا فإن فرعون {استخف قومه فأطاعوه} ؛ لأن الثعالب لا تنتشر إلا في مجتمع الأرانب والذئاب لا تنتشر إلا بين الغنم.

والإنسان إذا أحب أن يرهبه الناس وأن يسارعوا إلى تقديم فروض الولاء والطاعة العمياء له، وأن يطمعوا في الاقتراب منه فتكون علاقة الناس به رهبة ورغبة، وألا تكون الغلبة لهم إلا بعزته وأن يسبح الناس بحمده .. وأن يجعلوا كلامه قرآنًا يتلى ويردد في كل مكان .. فقد جعل نفسه فرعونًا.

ولأنه لا رغبة ولا رهبة إلا إلى اللَّه تعالى فالكل سواء أمام شريعة الله، ولهذا وقف رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (( أيها الناس، من جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه .. ) )لأنها شريعة الله والخضوع لها عبادة وتقوى وأكرم الناس أتقاهم لله، وحتى لا يأتي حاكم للمسلمين فيمنح نفسه تفويضًا مطلقًا بإرسال الناس إلى المقاصل - آلة القتل لتنفيذ حكم الإعدام - وغيابات السجون باسم المبادئ!! فتحكم الناس قواعد (( كل خبزًا وعش ) ) (( وللجدران أذان ) ) (( وإن وجدت بلدًا تعبد عجلًا فاجمع من الحشائش وأطعمه ) )!! وهكذا تنطلق الرهبة والرغبة إلى غير الله وتظهر الفرعونية أو الأصنام الآدمية، ويلف كل ذلك في ثوب أرفع المبادئ.

ووسط هذا الجو العفن يظهر المنكر لأنه لا يجد عنه ناهيًا، ويختفي المعروف لأنه لا يجد له آمرًا، فتكون النتيجة الوبال على الأمم وأصنامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت