فهرس الكتاب

الصفحة 2154 من 18318

ويمكن فهم هذا التشبيه على أنه من تشبيه المفردات بعضها ببعض، فيشبه القرآن - الذي تحيا به القلوب - بالصيب، أي: المطر الذي تحيا به الأرض بعد موتها، ويشبه ما أحاط بالمنافقين من التردد والحيرة والشكوك، بما أحاط بالقوم أصحاب المطر من الظلمات، ويشبه وعد القرآن ووعيده بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، وتصادم المنافقين عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه، فيسد أذنيه عنها، مع أنهم لا خلاص لهم منها، وهو معنى قوله تعالى: {واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ} واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه، أو رفد (عطاء) تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مكان ضوء البرق حين يضئ، وتحيرهم في الأمر وتوقفهم فيه حين تعرض لهم شبهة أو مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم البرق.

ونبه سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} على أنه تعالى جعل السمع والأبصار ليدركوا بها طريق الهدى والفلاح، وينتفعوا بها، ولكنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة، وأوصدوها عن الفوائد الآجلة، ولو شاء اللَّه لجعلهم بالحالة التي آثروها لأنفسهم، وهي إضاعة السمع والبصر، فإنه على ما يشاء قدير، ولكنه لم يفعل، لعلهم يعتبرون فيدركوا.

وقد أراد سبحانه أن يجزيهم على خبث ضمائرهم واعتلال قلوبهم بأن يحسوا بالرعد والوعيد ولا يتقوه، وأن يبصروا البرق والنور ولا يهتدوا به، وأشد العذاب عذاب الحيرة والتردد، فمن لا يرى النور أقل ألمًا ممن يراه ولا ينتفع به، وممن يلمع له ثم يفتر عنه.

هكذا أجمع المفسرون على أن هذين المثلين للمنافقين.

وقد انفرد أستاذنا الدكتور محمد عبد اللَّه دراز - رحمه اللَّه - بتوزيع هذين المثلين على الطائفتين، فجعل المثل الأول للكافرين، والمثل الثاني للمنافقين، إذ قال ما نصه: (ضرب اللَّه لتلك الطائفتين مثلًا يناسبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت