فضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فقام فيهم رجل استوقد لهم نارًا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد - صلى الله عليه وسلم - في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية فلم يرفعوا له رأسًا، بل نكسوا على رءوسهم، ولم يفتحوا له عينًا، بل خروا عليه صمًا وعميانا: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] ).
وضرب مثلًا للمترددين المخادعين بقوم جاءتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعود وبروق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا، ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة، ولا سقوا به زرعًا ولا ضرعًا. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها ويدبرون أمورهم على وفقها، لا بسين لكل حال لبوسها، سيرًا تارة، ووقوفًا تارة، واختفاء تارة أخرى.