فهرس الكتاب

الصفحة 2156 من 18318

ذلك مثل القرآن الذي أنزله اللَّه غيثًا تحيا به القلوب، وتنبت به ثمرات الأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة، ثم ابتلى فيه المؤمنين بالجهاد والصبر، وجعل لهم الأيام دولًا بين السلم والحرب، وبين الغلب والنصر، فما كان حظ بعض الناس منه إلا أن لبسوا شعاره على جلودهم دون أن يشربوا حبة في قلوبهم، أو يتذوقوا ما فيه من غذاء الأرواح والعقول، بل أهتمهم أنفسهم، وشغلتهم حظوظهم العاجلة، فحصروا كل تفكيرهم فيما قد يحيط به من مغانم يمشون إليها، أو مغارم يتقونها، أو مآزق تفقهم منه موقف الروية والانتظار، وهكذا ساروا في التدين به سيرًا منعرجًا متقلبًا مبنيًا على قاعدة الربح والخسر والسلامة الدنيوية.

فكانوا إذا رأوا عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا وبرقت لهم (بروق) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنبًا إلى جنب، وإذا دارت رحى الحرب. وانقضت (صواعقها) منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أو رجعوا من بعض الطريق قائلين: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ} حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة، ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور، وتلبد الجو بالغيوم، فهنالك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا - وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت