ودعينا إلى زيارة الأرض التي دارت عليها موقعة (مؤته) ورافقت الشباب المسلم الذي اشترك في معسكر أبي عبيدة بن الجراح بالأردن، وغزوة مؤته كانت في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة، كان جيش المسلمين ثلاثة آلاف، استعمل عليهم رسول اللَّه - صلوات اللَّه وسلامه عليه - زيد بن حارثة وقال: (( إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد اللَّه بن أبي رواحة على الناس، فإن قتل فليتربص المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم ) )وكان جيش الروم والقبائل التي انضمت إليه مائتي ألف، وقاتل زيد براية رسول اللَّه حتى استشهد، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى استشهد ثم أخذها عبد اللَّه بن أبي رواحة فقاتل بها حتى استشهد ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، فقال: (يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم) فقالوا: (أنت) قال: (ما أنا بفاعل) فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية اقتضت عبقريته العسكرية أن يجنب جيش المسلمين القتال، واستطاع أن يخلص ببقية الجيش ...
في طريقنا إلى (مؤته) القرية التي احتضنت أرضها الطاهرة أجساد الشهداء، أحسست بالرهبة تملأ نفسي، ولكن سرعان ما فزعت نفسي، حين سألت عن الإشارات التي ترمز إلى مقابر هؤلاء الشهداء المغاوير، فدلني الناس على مساجد بنيت على هذه المقابر، واكتفيت بالوقوف على مقبرة من هذه المساجد خاشعًا أترحم على الشهداء الذي أفسح لهم تاريخ الإسلام بين دفتيه صفحات رائعة مشرفة .. !
أكان مثل هؤلاء الأبطال أمثال زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن أبي رواحة إلى أن تتحول قبورهم إلى أضرحة تقام عليها المساجد، ولتصبح بعد ذلك مزارات يفر إليها المئات للتبرك؟