جعل لهم الأرض فراشًا، أي ممهدة مهيأة للإقامة عليها، والاستقرار بها، كما يمهد الفراش لمفترشه، صير الأرض لهم مبسوطة كالفراش، بحيث يقعدون عليها وينامون، ويزرعون ويحصدون، ويبنون عليها بيوتهم، ثبتها بالجبال، ولو لم يثبتها اللَّه بالجبال الرواسي لمادت واضطربت، وما اصلحت للاستقرار عليها، وما كانت مهادًا ولا فراشًا ولا بساطًا.
وجعل لهم السماء بناء يشبه القبة فوقهم، وزينها بالكواكب والنجوم، ليهتدوا بها، جعل لهم السماء التي هي كالسقف للأرض بناء، أي ثابتة ثبات البناء، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] ، وقال جل شأنه: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالأرض فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 47، 48] .
ولم يقتصر سبحانه على أن مهد لهم الأرض ليستقروا بها، ورفع فوقهم السماء سقفًا محفوظا، بل أمدهم بما يكفل عيشهم، فأنزل من السماء (السحاب) ماء، فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم، فهو - سبحانه يرسل الرياح فتثير سحابًا (تهيجه وتحركه) ، فتجعله كسفًا (قطعًا بعضها فوق بعض) ، ويخرج المطر من خلاله (وسطه) ، فإذا نزل الماء بالأرض أخرج اللَّه بسببه من ثمرات الأرض رزقًا للناس يأكلون وتأكل أنعامهم، واللَّه سبحانه هو خالق الثمرات من الأرض، وما الماء والسقى والحرث والبذور إلا أسباب.
أمر اللَّه الناس بأن يعبدوه، ووصف نفسه بأوصاف هي من دلائل نعمته، وآيات قدرته، ليحمل على الامتثال من يقدر النعمة، ومن يرهب القدرة، وفي الناس من يستجيب بالترغيب، ومنهم من يستجيب بالترهيب. ثم قال سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي للتقوى غضب اللَّه وعذابه، الذي هو عاقبة المخالفين لأمر اللَّه تعالى، فعبادة اللَّه طريق لتقواه.