فهرس الكتاب

الصفحة 2248 من 18318

قال اللَّه تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ} أي إلا ليحققوا إلى جانب عبادتهم الجبلية التسخيرية منهم لي كسائر الكائنات الأرضية عبادتهم الإرادية الاجتهادية متمثلة في تعلق قلبهم بي وقصدهم إلى، وهما الركنان السابق ذكرهما من أسس العبادة،، ثم هذا الركن الثالث والأخير والمكمل لها مجتمعة ونعني به ركن القول والعمل والسلوك، ومعنى ذلك أن لا ينطق العابد إلا بما يرضي اللَّه عنه، وألا يعمل أو يترك إلا ما يكون كذلك، ولكن لأن مشيئة اللَّه مضت بأن يبتلي الناس ضمن ما ابتلاهم به في حياتهم الدنيا بغفلات الخاملين وشهوات الجامحين وشبهات الحائرين، ولم يرد أن يكونوا جميعهم طول حياتهم وفي كل أوقاتهم ذاكرين له مستحضرين لعظمته شاكرين دائمين لأنعمه مدركين تمام الإدراك لفضله وحكمته كملائكته وصفوته من عالم الروح والملأ الأعلى من خلقه، فقد اقتضت رحمته بهم أن يعفو لهم عن كثير، وألا يكلفهم فوق ما يطيقونه إذ هو القائل: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} ، {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} كما قال نبيه - صلى الله عليه وسلم: (( إن اللَّه حد حدودًا ) )يعني أوجد فواصل تفرق بين الحلال والحرام (( فلا تعتدوها ) )أي فلا تتخطوا ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم (( وشرع شرائع ) )كلف بعبادات (( فلا تضيعوها ) )تهملوها وتعطلوها (( وسكت عن أشياء ) )مباحات كثيرة (( رحمة ) )لطفًا ورفقًا (( بكم غير نسيان ) )منه لها (( فلا تسألوا عنها ) )تشددًا منكم على أنفسكم حتى لا يشدد اللَّه عليكم بسبب ذلك وقد علمنا أن ما أباحه اللَّه لنا أكثر بكثير مما كلفنا بفعله أو منعنا من إتيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت