فالمال نعمة من اللَّه سبحانه وتعالى، وإذا أدى الإنسان حق اللَّه فيه كان من أهل الجنة، ففي صحيح مسلم عن عياض رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( أهل الجنة ثلاث: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق ) )وقد كان من دعاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم ارزقني الهدى والتقى والعفاف والغنى ) ).
صحيح أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أخبر عن الذي يؤتي كتابه بشماله أن يقول يوم القيامة: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} [الحاقة: 28، 29] .
إلا أن العيب ليس في نعمتي المال والسلطان وإنما في استخدامهما في هوى النفس وشهوات الكبر والطغيان والظلم لا في إقامة معالم الدين.
فلنتكلم إذن عن فطرة الافتقار إلى اللَّه سبحانه وتعالى: يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] ، فتلك الآية الكريمة تقرر أصلًا من أصول فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها هو الافتقار إليه جل شأنه .. الافتقار الحسي والافتقار الروحي فالملك، والقدرة، والإيجاد من العدم، والابداع، والغنى، والهيمنة وغيرها، صفات ثابتة له سبحانه، والخلو والعجز والسلب والفقر والاستسلام ونحوها صفات قائمة بفطرة كل كائن من البشر وغير البشر ـ فالفقر الذي تقرره الآية الكريمة فقر فطرة لا فقر خزائن وحواصل فقط، أو هو فقر صفات قبل أن يكون فقر مال وحيازة، والغنى الذي تقرره للحق سبحانه هو غنى صفات ذات إبداع إيجابية في الخلق الأزلى، وليس مقصورًا على غنى المال وملك خزائن السموات والأرض.