والإنسان السوي هو الذي يعرف أن الافتقار - على ما تقرره الآية الكريمة - أصل من أصول فطرته، والشيء لا يصلحه إلا أن يقوم على ما قدر له من فطرة، فيدعوه ذلك إلى تزكية هذا الأصل في نفسه حتى يكون حاكمًا في حياته كلها - الظاهرة والباطنة - فلا يرى لنفسه ملكًا ما في أي شيء، فيبصر الإنسان نعمة الحياة في بدنه ونعمة العقل والسمع والبصر والإرادة وسائر المواهب النفسية والبدنية .. يبصر ذلك كله نعمًا واردة عليه من لدن الغني الحميد، ويبصر فضل اللَّه في كل نعمة ويحس من نفسه العجز عن حقيقة الشكر ... وأيسر ما يكون منه من نور هذه المعرفة ألا يرى لنفسه أي فضل في موهبة من المواهب فلا يتيه بها على غيره ولا يقدر نفسه بغير قدرها.
إن الإحساس بالافتقار إلى اللَّه تعالى هو إحساس بالحاجة إليه تعالى في كل شيء، وهو إحساس من شهد عجز الكائنات فصرف عنها رجاءه وأيقن ضرورة الإقبال على اللَّه وحده والرغبة فيما عنده والاستمداد من فضله (الثروة في الإسلام - تأليف البهي الخولي ص 5) .
فإذا نضب ذلك الوجدان من نفسه .. أي زايله شعور الافتقار، وحل محله الإحساس بالملك الخاص والاستغناء .. فقد انطفأ النور وفقد أسباب العبودية الحقة .. وتولته عوامل الطغيان على ما يقول اللَّه تعالى: {كَلاَ إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] وفي هذا التعبير دقة نوجه إليها النظر ... فقد يطغى الإنسان حين يرى أو يطن بأنه استغنى، ولم يجعل النص القرآني الطغيان مشروطًا بحصول الغنى فعلًا ... بل إن علم اللَّه سبحانه وتعالى يقرر في أمر الإنسان أنه إذا ظن في تقديره الخاص بأنه استغنى فإنه يطغى، وليس هناك أبلغ ولا أشمل في وصف الآثار السيئة علىالنفس البشرية حين تمتحن بوفرة المال ... فترى أنها استغنت عن المنعم المعطي.