وقد ذكر القرآن نماذج ممن شهدوا في أنفسهم فطرة الافتقار وأحسوا وجدانه، ومن لم يشهدوا ولم يحسوا إلا فتنة الأنانية غرورًا واستغناء.
فقد تحدث يوسف عليه السلام في السجن لصاحبيه بما بهرهما من العلم بتأويل الأحلام ونحوه، فلم يأخذه العجب بنفسه حين رآهما يعجبان به بل قال: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37] تقريرًا للواقع من فضل اللَّه على فطرة العجز المشهودة في نفسه.
أما حين يتحدث قارون الجاهل فقد تحدث بغرور المزهو بكفاءته في تثمير المال وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78] .
والفارق بين كلمة يوسف عليه السلام وكلمة قارون هو فارق ما بين النور والظلمة في وجدان كل منهما.
ولقد أوتي سليمان عليه السلام ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فماذا كان وقع ذلك الملك في نفسه؟ وماذا ذكر القرآن من شأن فيه؟
وأوتي شخص آخر - في سورة الكهف - حديقتين اثنتين لا أكثر، فماذا كان وقع ذلك الملك الصغير في نفسه؟ وماذا ذكر القرآن عنه من شأن فيه؟.
إن سليمان عليه السلام استقبل ملكه بفطرة الافتقار التي تقدر مكانها من اللَّه فلم يحس أنه مالك، وظل يرنو إلى ما عند اللَّه ليبلغ منزلة العبودية الحقة التي هي هدف الحياة {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .
وأما الرجل الآخر فاستقبل حديقتيه بلب فارغ فعظم القليل في نفسه، وعزمت نفسه بالقليل وازدهاه بطر الغنى وشعور الملك فما لبث أن قال لصاحبه وهو يحاوره {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 24] .