قضى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو قومه إلى عبادة اللَّه الواحد الأحد، ونبذ عبادة الأوثان، والكفر بكل ما على الأرض من طواغيت، وكانت وسيلته في الدعوة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال الرفيق بالتي هي أحسن، ومنهجه دائما هو: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .
كان رسولنا يريد من المجتمع المكى أن يخلى بينه وبين الدعوة إلى اللَّه، ولقد كان عظيم الرفق، طويل الصبر في البلاغ، وسلك إلى ذلك وسائل الإقناع الواضح الرشيد، ومن أروع هذه الوسائل أن يقول ما علمه له ربه أن يقوله مما أنزله عليه من الكتاب: { .... وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] ، وليس هو إلا على الحق المبين، لكنه أدب المحاورة في أسمى صوره. بل يعلمه أن يقول: {قُل لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] ، أي إن كانت الدعوة إلى تخليصكم من عبادة البشر، والخضوع الذليل أمام الحجر جريمة، فليس عليكم شيء من وزر جريمة (التوحيد، التحريم) ، فهل عبد هذا رفق في البلاغ، وتواضع في الخطاب؟.
لكن الجاهلية المكية لم تتقبل دعوة الإسلام بالكبر الأعمى، والكفر الأصم، والعناد الجاحد فقط، بل شنت عليها حرب الإبادة في تبجح مستهتر، وأبت عليها حق الحياة.