فهرس الكتاب

الصفحة 2338 من 18318

لا، لا، إن هؤلاء المؤمنين بالدار الآخرة يفرضون أنفسهم على هذه الحياة الدنيا، ويكرهون العدو والصديق على أن يحسب حسابهم ويزن رضاهم وسخطهم، ويعلم أن نتائج العدوان عليهم أذى محذور وشر مستطير ..

لأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون، ويلطمون السيئة بمثلها ..

وليس هذه بالنسبة إلى الحق الأدبي للجماعة كلها، بل هو كذلك بالنسبة إلى حق الفرد في ماله الخاص.

فقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى .. ؟

قال: لا تعطه مالك ..

قال: أرأيت إن قاتلنى .. ؟

قال: قاتله ..

قال: أرأيت إن قتلته .. ؟

قال: هو في النار ..

قال: أرأيت إن قتلنى .. ؟

قال: فأنت شهيد ..

هل هذه الوصايا هي التي تخدر الأفراد والجماعات .. ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

فإذا تجاوزنا العهد المكى إلى العهد المدنى نجد توجيها ينبع من هذه الروح الأبية الشامخة.

إن الهوان جريمة، وقضاء الحياة في ضعف واستكانة مرشح أول للسقوط في الدار الآخرة ..

ومن هنا أثبت القرآن الكريم هذا الحوار بين ملائكة الموت وبين الذين عاشوا في الدنيا سقط متاع، وأحلاس ذل ..

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} .

والهجرة المفروضة هنا، هي التحول من مكان يهدر فيه الإيمان وتضيع معالمه إلى مكان يأمن فيه المرء على دينه.

ولكن حيث استقرت دار الإسلام، فلا تحول، وإنما يبقى المسلمون حيث كانوا ليدافعوا عن ترابها ذرة ذرة، ولا يسلموا في أرض التوحيد لعدو اللَّه وعدوهم ..

والآية تحرم قبول الدنية وإلف الاستضعاف، وتوجب المقاومة إلى آخر رمق .. ومما يؤكد هذا المعنى أن القرآن أحصى الطوائف التي تعذر في هذا التمرد المطلوب على قوى الشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت