وقد جاءت الأحاديث النبوية أن الإنسان يجلس في قبره، ويأتيه ملكان يسألانه عن ربه ونبيه ودينه وأن القبر يتسع ويضيق عليه، وأنه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وأنه يضرب في قبره إن كان فاجر ويشتعل عليه القبر نارًا .. وقد اعترض بعض الزنادقة على ذلك قديمًا فقال: إنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيان وثعابين، ولا نيرانُا تاحج، ولو كشفنا حالة من الأحوال، لوجدنا لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق، وعلى صدره الخردل، لوجدناه على حاله، وكيف يفسح له مد بصره في قبره، ويضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرناها إلى شبهات كثيرة يوردونها في حق المصلوب، والذي أكلته الوحوش، والطيور وقالوا أيضًا: وكيف يتسع ذلك للحد الضيق له، وللملائكة، وللصورة التي تؤنسه وتوحشه؟ وقد أجاب العلامة ابن القيم عن هذه الشبهات، وأجاد، وأطال النفس فيها، ولولا ضيق المقام لأوردناها كلها، ولكننا نكتفي من ذلك بالعبارة التالية قال رحمه اللَّه تعالى: (( إن اللَّه سبحانه جعل الدور ثلاثًا: 1 - دار الدنيا. 2 - دار البرزخ. 3 - دار القرار. وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس .. وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها .. ولهذا جعل أحكامه الشرعية، مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح. وإن أضمرت النفوس خلافه .. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها .. فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها، والتذب براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب، تبعث الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي تباشر العذاب والنعيم. فالأبدان هنا ظاهرة الأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها ..