وقد شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، وعبارات الحكماء والبلغاء لذلك، يمثل الحقير بالحقير، كما يمثل العظيم بالعظيم، ولا يقدح هذا التمثيل في عظمة من قاله. ومن كلام العرب: (أسمع من قراد، وأطيش من فراشة) ولا شك أن قدرة اللَّه تتجلى في كل ما خلق، فهو رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، وفي البعوض والذباب والعنكبوت من دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق ... على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير، وليس في ضرب الأمثال ما يعاب، وما من شأنه الاستحياء من ذكره، فليس الحياء بمانع لله تعالى من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة في نظركم.
وفي الآية: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي} إشعار بصحة نسبة الحياء إلى اللَّه تعالى، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه سلمان قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( إن ربكم حيى كريم، يستحى من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرا ) ). ومذهب السلف: إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض العلم بحقيقته وكيفيته إلى اللَّه تعالى، مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات، واختاره الآلوسى.
وفي الأمثال أيضًا اختبار للقلوب، وامتحان للنفوس {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا؟} .
فالناس أمام هذه الأمثال فريقان: فريق يفهم القصد الذى ترمى إليه، ويكون لها أثرها الحسن في نفوسهم، وفريق يتعلق باسم الحيوان الذى ضرب به المثل، ولا ينظر إلى المعنى المقصود، فيتساءل متعجبًا مستهزئًا، منكرًا: ماذا أراد اللَّه بهذا مثلا؟! ... ويتخذ ذلك سبيلا لإيقاع الشك في قلوب الناس.